عبد الوهاب الشعراني
249
تنبيه المغترين
لمعاشه ودينه لمعاده ، وكان قيس بن عاصم مع شدة زهده وورعه رحمه اللّه تعالى يقول لبنيه : عليكم بجمع المال الحلال فإنه يسر الصديق ويكمد العدو وتستغنون به عن سؤال الناس لا سيما اللئيم وإياكم وسؤال الناس فإنه كسب العاجزين اه . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : لقد أدركنا الناس وهم يبيعون في السوق وعلى أحدهم الزحام من الناس فإذا سمع الأذان للصلاة نهض مسرعا وترك البيع ، وأما أهل زماننا فإن نفق السوق أخروا الصلاة وإن كسد ندموا ، وكان أبو قلابة رضي اللّه عنه يقول : عليكم بملازمة السوق والصنعة فإنكم لن تزالوا كرماء على إخوانكم ما لم تحتاجوا إليهم . وقد وقف سائل مرة على باب مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى فخرج إليه برغيف فأعطاه له ، فقال له : زدني ، فأعطاه آخر ، فلم يزل يسأل ويستزيد ومالك يعطيه حتى أخرج إليه جميع ما عنده في البيت حتى الأواني والفرش وغير ذلك فقال له : زدني ، فقال مالك : واللّه يا أخي لم يبق عندي شيء إلا أن تأخذني وتبيعني وتقبض ثمني ، قال : فتركه السائل وذهب ولم يأخذ شيئا مما أعطاه له ، قال بعضهم : ويقال إنه كان ملكا جاء ليختبره ، وقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول من رد سائلا خائبا لم تغش الملائكة بيته سبعة أيام عقوبة له . ( قلت ) ومحل ذلك ما إذا رده مع القدرة وأما العاجز فلا واللّه أعلم ، وقد سئل سحنون رحمه اللّه تعالى عن الرجل يسأله السائل فيخرج له بصدقته فيجده ذهب فماذا يفعل بتلك الصدقة ، فقال : أحب أن يتصدق بها على غيره وإن أعادها إلى ماله فلا بأس ا ه ، فاعلم ذلك يا أخي أنفق كل ما دخل في يدك وفضل عن حاجتك ولا تدخر شيئا إلا على اسم غيرك من العائلة ونحوهم ، والحمد للّه رب العالمين . كثرة الصدقة ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة الصدقة ليلا ونهارا بكل ما فضل عن حاجاتهم بشرط الحل في ذلك كما تقدم مرارا ، فقد ورد في الحديث [ ولا يكسب عبد مالا من حرام فيتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ] ، وقد كان سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : ترك قبول الشبهات وعدم التصدق بها أولى وهذا الخلق قد كثر تخلق الفقراء به في هذا الزمان ، فيأخذ أحدهم في الشبهات ويتصدق بها